الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
133
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وثانيا : بأن الذي حصل لداود عليه السلام فزع وليس بخوف . والفزع أعمّ من الخوف إذ هو اضطراب يحصل من الإحسان بشيء شأنه أن يتخلص منه وقد جاء في حديث خسوف الشمس « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خرج فزعا ، أي مسرعا مبادرا للصلاة توقّعا أن يكون ذلك الخسوف نذير عذاب » ، ولذلك قال القرآن فَفَزِعَ مِنْهُمْ ولم يقل : خاف . وقال في إبراهيم عليه السلام فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [ الذاريات : 28 ] أي توجّسا ما لم يبلغ حدّ الخوف . وأما قول الخصم لداود لا تَخَفْ فهو قول يقوله القادم بهيئة غير مألوفة من شأنها أن تريب الناظر . وثالثا : أن الأنبياء مأمورون بحفظ حياتهم لأن حياتهم خير للأمة فقد يفزع النبي من توقع خطر خشية أن يكون سببا في هلاكه فينقطع الانتفاع به لأمته . وقد جاء في حديث عائشة : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أرق ذات ليلة فقال : ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة إذ سمعنا صوت السلاح فقال : من هذا ؟ قال : سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك . قالت : فنام النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه » . وروى الترمذي : أن العباس كان يحرس النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] فتركت الحراسة . ومعنى بَغى بَعْضُنا اعتدى وظلم . والبغي : الظلم ، والجملة صفة ل خَصْمانِ والرابط ضمير بَعْضُنا ، وجاء ضمير المتكلم ومعه غيره رعيا لمعنى خَصْمانِ . ولم يبينا الباغي منهما لأن مقام تسكين روع داود يقتضي الإيجاز بالإجمال ثم يعقبه التفصيل ، ولإظهار الأدب مع الحاكم فلا يتوليان تعيين الباغي منهما بل يتركانه للحاكم يعيّن الباغي منهما في حكمه حين قال لأحدهما : لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ . والفاء في فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ تفريع على قوله : خَصْمانِ لأن داود عليه السلام لمّا كان ملكا وكان اللذان حضرا عنده خصمين كان طلب الحكم بينهما مفرعا على ذلك . والباء في بِالْحَقِّ للملابسة ، وهي متعلقة ب فَاحْكُمْ . وهذا مجرد طلب منهما للحق كقول الرجل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي افتدى ابنه ممن زنى بامرأته : فاحكم بيننا بكتاب اللّه .